محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
286
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
وقبل الجواب عليه نذكر مقدمة وهي أنه لا شك عند جميعِ الفرق من أهل الإنصاف ، وأهل العنادِ أن الجبرية يذهبون إلى أن الله تعالى قد وَعَدَ المؤمنين المطيعين بجنته ورِضوانه ، وتوعَّد على ارتكاب المعاصي والمحرمات بعذابه وبغضبه ، وأن وعدَه ووعيدَه صادق لا خُلْفَ فيه ، ولكنهم يعتقدون أنَّ ذلك مستند إلى الدليل السمعي دونَ العقلي ، ولا شكَّ أيضاً أن الدليلَ السمعي قد ورد بذلك ، فثبت أنَّه لا خلافَ بينَنَا وبينَهم في أن الله صادقٌ في وعده ووعيده ، وإنما اختلفنا في وجه الاستدلال على ذلك ، فقلنا : ذلك ثابتٌ بدليل العقل القاضي بوجوبِ صدق السمع ، وهم قالُوا : ذلك ثابت بدليل السمع الواجب صدقُه بدليل العقل ، فالخُلْفُ في كلام الله ، والتعذيبُ لأولياء الله ممنوع عندنا وعندهم ، ومن قال : إن الشيء ممنوع بدليل السمع لم يلزمه أن يعتقِدَ جوازَ ذلك الشيء على الإطلاق ، ألا ترى أن مذهبنَا أن نِكَاحَ الأُمهات والأخوات ، وتركَ الصلوات وتركَ الزكوات جائز عقلاً ، ولكنه حرام شرعاً وليس لأِحَدٍ أن يَنْسِبَ إلينا القولَ بجواز ذلك على الإطلاق ، فكذلك الجبريةُ إذا قالوا : إن الله لا يُعذب المطيعينَ بدليلِ السمع لم يَحِلَّ أن يُقال : إن الله يجوز أن يعَذِّبَ المطيعين على الإِطلاق ، وهذا واضح لا يخفي على المنصف . قال الغزالي في كتاب " الاقتصاد في الاعتقاد " : وقد ذكر أن ثوابَ المطيعين تَفَضُّلٌ مِن الله تعالى ، وليس بواجب حتى قال : إلا أن يقال : إنه يصير وعدُه كذباً وهو محال ، ونحن نعتقد الوجوبَ بهذا المعنى ، ولا ننكره . انتهى . ونصوصُهُم على مثل هذا واضحة ، فلا نُطَوِّلُ بذكرها . فإن قلتَ : إن بينَ الأمرينِ فرقاً ، فإن نكاحَ الأمهاتِ والأخواتِ ، ووجوبَ الصلوات والزكوات مما لا يُعْرَفُ بالعقل ، وإنما يُعرف بالشرع ،